ابن حزم

106

رسائل ابن حزم الأندلسي

بينهم ويتراسلون بالخطوط المعبرة عنه في كتبهم لإيصال ما استقر في نفوسهم من عند بعضهم إلى بعض ، وهذه هي التي عبر عنها الفيلسوف بأن سماها « الأصوات المنطقية الدالة » . فإن شغب مشغب بما يظهر من بعض الحيوان غير الناطق من كلام مفهوم كالذي يعلمه الزرزور والببغاء والعقعق من حكاية كلام يدرب عليه « 1 » قائم المعنى ، فليس ذلك كلاما صحيحا ولا مقصودا به إفهام معنى ولا يعدو ما علم « 2 » ولا يضعه موضعه ، ولكن يكرره كما يكرر سائر تغريده كما عوّده « 3 » . وكثير من الحيوان في طبيعته أن يصوّت بحروف ما على رتبة ما ، وذلك كله بخلاف كلام الإنسان [ 6 ظ ] الذي يعبّر به عن أنواع العلوم والصناعات والأخبار وجميع المرادات . ثم نرجع فنقول : إن هذا القسم الذي ذكرنا أنه يدل بالقصد ينقسم قسمين : اما أن يدل على شخص واحد وإما أن يدل على أكثر من شخص واحد . فأما الذي يدل على شخص واحد فهو كقولنا : زيد وعمرو وأمير المؤمنين والوزير وهذا الفرس وحمار خالد وما أشبه ذلك . فهذه إنما تعطينا إذا سمعنا الناطق ينطق بها الشخص الذي أراد الناطق وحده ، لسنا نستفيد منه أكثر من ذلك . وليس هذا الذي قصدنا الكلام عليه لأن هذه الأسماء لا يضبط حدها من اسمها لفرق نذكره بعد هذا ، إن شاء اللّه عزّ وجل . واعلم قبل أن كل جزء مجتمع في العالم توجد في العالم أجزاء مثله كثيرة ، إلا أن بعضها منحاز عن بعض فإنا نسميه شخصا بالاتفاق منّا كالرجل الواحد ، والكلب « 4 » الواحد ، والجبل الواحد ، والحجر الواحد ، وبياض الثوب « 5 » الواحد ، والحركة الواحدة وسائر كل ما انفرد عن غيره . فإذا سمعتنا نذكر الشخص أو الأشخاص فهذا نريد . وأما القسم الثاني : وهو الذي يدل على أكثر من واحد فهو كقولنا : الناس والخيل والحمير والثياب والألوان وما أشبه ذلك . فإن كل لفظة مما ذكرنا تدل إذا قلناها على

--> ( 1 ) س : يدرى فيه . ( 2 ) س : ولا يعد مما علم . ( 3 ) م : عود . ( 4 ) م : كالكلب . . . والرجل . ( 5 ) في هامش س : « اللون » بدلا من الثوب في خ .